ها هي أيام الشهر المبارك بدأت تمضي دون أن نشعر بها ، خصَّ الله هذا الشهر العظيم بالتشريف والتكريم، وأنزل فيه القرآن العظيم، وفرَض صيامه على المسلمين، وسنَّ قيامَه الرسولُ الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو شهر التقوى، وشهر القرآن، وشهر الإفطار والإطعام، وشهر الصدقات، وشهر إجابة الدعوات.

ولكن .. !

حتى تتضاعَف الحسنات، وتُرفع الدرجات، وتُجزل الهبات، وتَكثُر النفحات، لا بد أن يتحلى المرء بصفة طيبة من مكارم الأخلاق؛ وهي التسامح الذي يعدُّ دُرة السجايا الحميدة، وشعاع الخير الذي ينيرُ جوانب القلوب العاتبة، فتعفو وتصفَح، وبسمة الرِّضا التي ترسُمُ ملامح النُّبل على الوجوه الشاحبة فتُشرق.

ما أحوجنا للتسامح في هذه الأيام المباركة، وما من عمل أفضل من أن تُرفع الأعمال الصالحة إلى الله عز وجل أثناء الصيام، بشرط أن تكون القلوب صافيةً ونقيَّة مِن شوائب البُغض والكره، وهنا قد أخبر عليه الصلاة والسلام – كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – قال: ((تُعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيَغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكلِّ امرئ لا يشرك بالله شيئًا؛ إلا امرأً كانت  بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: ارْكُوا هذين حتى يَصطلحا، اركوا هذين حتى يَصطلحا))، فذكر أن أعمال المتخاصمين لا تُعرض على الله تعالى، ولم يذكر علَّة ذلك.

ولكن مما يُمكن استنباطه من ذلك أن الإسلام حثَّ على الإخاء والمودة، وحرَّم التدابر والتقاطع بين الإخوان، ونوَّع في ذلك الحث ما بين أسلوبي الترغيب والترهيب، وهنا جاء بأسلوب الترهيب؛ للحث على إزالة الإِحَن وتقوية أواصر المودة، والتحذير مما يُضادُّ ذلك من هجر وتقاطع.

ومما يُمكن استنباطه أيضًا ما ذكره بعض أهل العلم من أن سبب ذلك هو عظمة الجُرم، وخطورة الوزر؛ قال ابن عبد البر في التمهيد: “وذلك لعِظَم ذنب المهاجَرة والعداوة والشحناء لأهل الإيمان، وهم الذين يأمنهم الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، المُصدِّقون بوعد الله ووعيده، المُجتنبون لكبائر الإثم والفواحش”.

والعبد المسلم مَن وصفْنا حاله، ومَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده، فهؤلاء لا يحلُّ لأحد أن يَهجرهم ولا أن يبغضهم، بل محبتهم دِين، وموالاتهم زيادة في الإيمان واليقين، وفي هذا الحديث دليل على أن الذنوب بين العباد إذا تساقَطوها وغفرها بعضهم لبعض أو خرج بعضهم لبعض عما لزمه منها، سقطَت المطالبة من الله عز وجل؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ((حتى يصطلحا))، فإذا اصطلحا غفر لهما.

شهر رمضان فرصة ذهبية، ودعوة خالصة إلى كل المتخاصمين لكي ينتزعوا من قلوبهم الشحناء والبغضاء والغلَّ، وأن يزرعوا بدلًا منها المودة والمحبة والرحمة والتسامح والعفو، ومِن أهمِّ مظاهر التسامح وصفاء القلب السلام بالقول والمصافَحة، ويُمكن أن يكون بالقول دون المصافحة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((يَلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) أخرجه أبو داود والترمذي؛ ففي السلام أيضًا مظهر عظيم يوضِّح أن الذي يُبادر بالسلام أفضل وأعظم أجرًا؛ لأنه الذي بدأ بقرار التسامُح؛ فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحلُّ لمسلم أن يَهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يَلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)

فصِفة التسامُح قد تكون السبب في المغفرة ورضوان الله تعالى على عباده؛ فعن ابن أبي شيبة عن أبي إسحاق عن البراء قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مسلمَين يَلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرَّقا) ورواه أحمد والبزار وأبو يعلى إلا أنه قال: (كان حقًّا على الله أن يجيب دعاءهما، ولا يردَّ أيديهما حتى يغفر لهما) .

بقلم : صابرين حاج مصطفى 

 

تعليقان 2

  1. بدور طرابلسي

    جزاكم الله خيرا.. وتقبل الله منا ومنكم.. كلنا بحاجة لان نسامح بعضنا البعض ونتسامح.

    الرد
  2. هدى العبود

    تسلم ايدك صابرين ……اللهم اجعلنا من المغفور لهم في هذا الشهر العظيم…
    تحياتي لكم .

    الرد

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التواصل السريع مع الإدارة

اترك اسمك و رقمك و سبب التواصل و سنرد عليك سريعا